الشنقيطي

47

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ثانيهما : ألا يعلم حكمه بالنسبة إليه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي هذا القسم أربعة أقوال : أولها : الوجوب . عملا بالأحوط ، وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية ، ورواية عن أحمد . ثانيها : الندب ، لرجحان الفعل على الترك ، وهو قول بعض الشافعية ، ورواية عن أحمد أيضا . ثالثها : الإباحة ، لأنها المتيقن ، ولكن هذا فيما لا قربة فيه ، إذ القرب لا توصف بالإباحة . رابعها : التوقف ، لعدم معرفة المراد ، وهو قول المعتزلة ، وهذا أضعف الأقوال ، لأن التوقف ليس فيه تأس . فتحصل لنا من هذه الأقوال الأربعة أن الصحيح الفعل تأسيا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجوبا أو ندبا ، ومثلوا لهذا الفعل بخلعه صلى اللّه عليه وسلم نعله في الصلاة ، فخلع الصحابة كلهم نعالهم ، فلما انتهى صلى اللّه عليه وسلم سألهم عن خلعهم نعالهم قالوا : رأيناك فعلت ففعلنا ، فقال لهم : « أتاني جبريل وأخبرني أن في نعلي أذى فخلعتها » « 1 » ، فإنه أقرهم على خلعهم تأسيا به . ولم يعب عليهم مع أنهم لم يعلموا الحكم قبل إخباره إياهم . وقد جاء هنا وَما آتاكُمُ بصيغة العموم . وقال الشيخ رحمه اللّه في دفع الإيهام في سورة الأنفال عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ الأنفال : 24 ] ، ما نصه : وهذه الآية تدل بظاهرها على أن الاستجابة للرسول التي هي طاعته لا تجب إلا إذا دعانا لما يحيينا ، ونظيرها قوله تعالى : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [ الممتحنة : 12 ] . وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجوب اتباعه مطلقا من غير قيد ، كقوله : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] وقوله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] الآية ، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] . والظاهر : أن وجه الجمع واللّه تعالى أعلم : أن آيات الإطلاق مبينة أنه صلى اللّه عليه وسلم لا

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : أبو داود في الصلاة حديث 650 ، والدارمي في الصلاة ، باب الصلاة في النعلين ، وأحمد في المسند 3 / 20 ، 92 .